ومتى كانت علاقة المُخدِم بالخادم ، كعلاقة السادة بالعبيد
الأستاذة عائشة نصار كتبت عن عائلة الهضيبي واسهبت في الشرح والتوضيح مجتهدة بخبث أو بعدم ادراك ودراية لتقول في نهاية المطاف وبدون مرجعية تاريخية موثقة أو إثبات قانوني ( أن النوبيون عبيد ) حيث أشارت في مقالها المنشور في صحيفة الفجر الاسبوعية وفي عددها 196الصادر في30 مارس 2009 م وتحت عنوان
الثروة والبزنس والعبيد في عائلة الهضيبي
ربما لتعمدها الإساءة للنوبيين إختارت إضافة كلمة العبيد في العنوان ، ولم تكتفي بذلك بل أفردت مساحة ليست بالقليلة وكتبت بإسهاب وتحت عنوان جانبي اختارته باشارة تقول :-
إن السر الأكبر في عائلة الهضيبي هو الخدم ....
ولأنها أرادت أن تقول بأنهم لم يكونوا مجرد خدم ، بل أرادت أن تقول أنهم في الأصل عبيد ...
ففي إشارة واضحة لا تحتاج منا إلى كثير جهد تقول :-
( إن جميع الخدم النوبيين في بيوت الهضايبة هم من عائلة واحدة أما حكاية هذه العائلة النوبية مع الهضايبة فهي أقرب إلى الأساطير . تعود لما يزيد على قرن أو أكثر من الزمان حيث كان أجداد هؤلاء الخدم النوبيين منذ سنوات طويلة عبيدا لدى عائلة حسن الهضيبي ..)-
يلاحظ في الجزئية المقتبسة من كلام عائشة نصار ورود كلمة النوبيين بتكرار لا لضرورة تفيد اللغة!! بل لتأكيد مقصود الإساءة لعرقية دون سواها .. و المعنيين بالإساءة هنا هم النوبيون لأن الإفادة يمكنها أن تصل للقارئ بدون تكرار ذكرهم .
فعلى سبيل المثال كان لها أن تقول :- إن جميع الخدم .... في بيوت الهضايبة من عائلة واحدة ، لأن الإفادة واصلة بدون تحديد اسم العرقية ... وأيضا تصل الإفادة لو قالت – ( أما حكاية هذه العائلة... مع الهضايبة)- ...وأيضا لو قالت - (حيث كان أجداد هؤلاء الخدم.....)
ولكن يبدو لي أنها كانت متعمدة الاساءة للنوبيين فلذلك أرادت أن تمضي قدما في إساءتها فأتت بفقرة أخرى تقول فيها :- (وتم إلغاء الرق ورغم أن الفرصة قد جاءت بذلك لهؤلاء العبيد لكي يتحرروا ) وهنا استخدمت الأستاذة عائشة نصار إسم الإشارة إمعانا في تقليل شأنهم !! وواصلت في غيها لتسهب في استخدام كلمة ( العبيد ) بتكرار مماثل لما سبق بعد أن أحللتها بدلا من عبارة ( خدم ) لتقول :- (ان العبيد الذين كانوا قد أصبحو نسيجا ...) - ثم تتعمد وبتركيز لكي تؤكد نوع العلاقة فتقول :- ( اختاروا الاستمرار في الأقامة مع اسيادهم ولو في صورة خدم )
وتعود الاستاذة لتكرر تأكيدها لعرقيات الخدم وبملازمة تلك الاضافة السمجة التي يمكن للافادة أن تصل بدونها !! ولكن باصراها الغريب والخبيث أرادت أن تكون هنالك ترادف بين الكلمتين حيث كررتها ايضا لتقول : - (وانتقل معه الخدم النوبيين لخدمته واسرته ) وبعد أن استرسلت في التكرار والربط والإفاضة لترسخ في الأذهان ثمة علاقة بين النوبيين والعبيد ، لتكوّن بذلك لدى العامة صورة تفيد بأن النوبيين في الأصل كانوا عبيدا .. حيث تقول :- (وبذلك تحولت سلالة هؤلاء العبيد النوبيين الى خدم انتشروا في بيوت ابناء حسن الهضيبي .. )- وعادت لتؤكد في مقاطع أخرى وبكل سفور ما تعتقد فيه بأن النوبيين مجرد خدم وعبيد وذلك لعدم إدراكها و لقلة ثقافتها بتاريخ الأسر النوبية وحضارتها .
وفي مغالطة غير منطقية لنفسها ولما سردته من علاقات قائمة بين (السادة والعبيد) أرادت أن تسوق مبررا منطقيا (غير مقبول) حيث تقول :- -(الامتزاج لسنوات طويلة بين العائلتين ( الاسياد والعبيد ) خلق بينهما علاقة شديدة الخصوصية..)
وتعود لتواصل هواية الجمع والإضافة بغرض رسم صور الترادف في المعنى ( بين الخدم والعبيد والنوبيين ) وتقول :- (فالزائر لبيوت الهضايبة لا يحتاج لقوة ملاحظة كبيرة حتى يكتشف ان هؤلاء الخدم النوبيين يتعاملون وكأنهم أحد افراد البيت ...) .
القارئ الحذق المتابع لما نشر في الصحيفة يجد أن هنالك مساحة غير يسيرة فُردت لتكريس مفهوم يفيد في فحواه أن أصل النوبيين عبيد .. ورغم أن المقصود في ظاهر الأمر الهضايبة !! إلا أن الضرر الأكبر قد لحق بالنوبيين الذين صورتهم الكاتبة بأنهم عبيد ، وتمادت الكاتبة في وصفها البشع والمغلوط بدون أي مرجعية تاريخية تثبت أن النوبيين كانوا عبيدا مملوكين . فإذا كانت صادقة أو واثقة من زعمها فلها أن تأتي لنا بعبد نوبي آبق . أو معتوق ..
أو تشير لنا صراحة بتوثيق مُعتمد إلى أي فرد أو جهة تسيّدت أو ملكت أو اعتقت ( نوبيا واحدا ) على مر الدهور ..
فالنوبيين لم يكونوا في يوم من الأيام عبيدا ، بل لي أن أزعم بأنهم كانوا أسيادا مالكين لعبيد .. ولدي أنا شخصيا وثائق معتمدة تؤكد زعمي . فالنوبيين على امتداد وادي النيل بشقيه في جنوب وشمال الوادي (مصر والسودان ) يغلون في مراجل .. ومُقدمون على تفجير براكين الغضب وإيقاف تلك الإساءات المتعمدة التي تصدر في شكل صور مرفوضة جملة وتفصيلا لدى قطاع النوبيين في كل من القُطرين (مصر والسودان) . وهم قادرون على إخراس الأصوات النشاز التي تريد أن ترسخ أفكارا عنصرية بغيضة في أذهان البسطاء ..
فكما اشرنا فيما سبق الكاتبة ارادت ان تخلق توعا من الترادف اللغوي بين ( النوبيين والخدم والعبيد) للربط في اذهان المتلقين ترادف المعنى ، حيث انها تعمدت تكرار المفرات مقرونة ( نعت ومنعوت) دون حاجة تخدم المعنى، لان الافادة تكون واصلة بدون مرادفة الكلمة. لذلك لنا ان نتيقن ان الغرض من التكرار هو خلق ترادف معنوي بين المفردات الثلاث، فبالتواتر والتكرار يمكن ان يكون للمفرات معنى مشترك . وهذا ما رمت اليه الكاتبة ..
كما أنه لايليق بإدارة صحيفة أن تتساهل في نشر مغالطات لا أساس لها من الصحة دون أن تتيقين من مصداقية الأطروحة . فإذا فعلت ذلك بتقين فلها أن تسوق لنا المسوغات التي تؤكد صحة زعم الكاتبة بأن النوبيين في الأصل عبيد ..
وإن فعلتها بجهالة ودون تيقن ، فلها ولإدارتها أن تتحمل مسؤولية فعلتها التي أساءت إلى قطاع غير هين في مجتمع ممتدة أصوله إلى قرون ساحقة في التاريخ والحضارة ..
محمد سليمان أحمد ولياب
ناشط وكاتب نوبي
القاهرة 12 ابريل