الأسماء والشخصيات الجديدة في الساحة دائما هم المستهدفون
قيل في الموت أنه ( هادم اللذات ومفرق الجماعات) وهنالك رواية أخرى تقول أن (عزرائيل) هو هادم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب البيوت والدور ومعمر القبور وميّتم الأطفال ومرمّل النساء ومفجع الأحباب.الـخ.. وقد ضعّف بعضهم الحديث، ومنهم من قال بأنه حديث موضوع.
فبعيدا عن ذاك الجدل الفقهي. و بعيدا أيضا من الموت وعزرائيل، لنا أن نتناول من الشخصيات العاملة في مضمار العمل النوبي العام وفي حقول العمل الاجتماعي من هو أقرب إلى ذاك الوصف المفجع المخيف.
ففي ظل التداعيات المتلاحقة وما هو متجدد في الساحة يبرز بين الحين والأخر أفراد أو جهات تتبنى مشاريع وبرامج وأطروحات - ربما تجد بعض منها القبول والاستحسان أو الرفض والمعارضة - وهذا أمر اعتادت عليه الجموع النوبية في مغتربهم ( الداخلي والخارجي). ولكن ظاهرة تنبي المشاريع وكثرة الأطروحات والمسميات كادت أن تكون صفة ملازمة لجموع النوبيين عامة وللمتواجدين في المدن الكبيرة وخارج البلاد بصفة خاصة. وكأن بهم علة مستعصية، أو ممارسة لترف فكري أو ثقافي قد اعتراهم في مغتربهم البعيد عن معاناة الأهل في ريفهم المهمل والمهمش، وأصبحوا يتبارون فيما بينهم في خلق هيكليات وإطلاق مسميات لدرجة تبادرت فيها إلى الأذهان فكرة نضوب قواميس اللغة عن مجاراة المبدعين في إطلاق الأسماء لتلك الكيانات والتيارات والأطروحات المتلاحقة .
واليوم في الساحة ما هو مطروح أو متداول بشكل غير مألوف أو باستغراب من جهات احتارت في شكلية ومضمون الطرح من حيث الصورة التي كانت مرسومة في أذهان المتلقين للخبر عن شخصية واتجاهات صاحب الأطروحة. وبالرغم من انه ليس في الأمر ما يدعوا للريبة والتشكك ولكن كثيرًا ما يحدث هذا اللبس والإرباك بسبب وجود اعتقاد خاطئ مرسوم في أذهان الأغلبية التي لا تضع في اعتباراتها أن هنالك ضوابط وأساليب متعارف عليها بين ممارسي اللعبة القذرة (السياسة) . فبعد تجارب ونتائج تلمسناها في ارض الواقع وجدنا أن هنالك نماذج لقيادات وأفراد تستحق الإشادة والاحترام.
وفي المقابل أيضا يمكننا أن نجد من الأفراد من استطاع التخفي وسط تلك الجموع لممارسة تلك الهواية البغيضة (رغم خطورتها وتيقنهم بقذارتها) لكن ربما تحت ذريعة الضرورات تبيح المحظورات - وان لم تكن في قناعاتهم أصلا من المحظورات - ومن تلك الشخصيات الخطرة على مجتمعاتنا من نستطيع أن نطلق عليه لقب (مستنزف الشخصيات النوبية) .
فمن مواصفات صاحب هذا اللقب أنه شخصية غير معروفة بذاك القدر ولكنه يحرص على التواجد في الساحة، ويستهدف دوما القادمون الجدد إلى الساحة النوبية ليشكل بهم هيكلية هلامية يروج لها ، ويدعم أركانها ببعض الكوامن النوبية التي كانت تغُض في نوم عميق، إلى جانب أفراد تبحث عن أدوار في الساحة، وغالبا ما تكون الأطروحة أو المادة الأساسية المطروحة من تلك القضايا التي لها تأثيرها المباشر في الساحة النوبية والتي تؤرق مضاجع النشطاء في العمل النوبي العام . فيبادر ذاك الذي أطلقنا عليه مجازًا لقب (مستنزف الشخصيات النوبية) بطرح الأفكار المسروقة من أرشيف الذاكرة النوبية مستعينا ببعض التجارب السابقة بعد أن يُعيد تأطيرها في قوالب جديدة وبمسميات جديدة. وغالبًا ما يتم إعداد تلك الأطر الجديدة بمشاركة أفراد أو جهات يتم مناقشتهم بعيدا عن أنظار المتابعين الحاذقين، وربما في غرف مغلقة. لتخرج إلى الساحة النوبية منسوبة لفئة أو جماعة جديدة قد شُكلت لجانها في تلك الغرف، أو في اجتماعات بينية وبترتيبات معينة ، وبشكلية فرضية معلنة، أو غير معلنة يضمن للطامعين في بلوغ الغايات قدر معلوم .
لنا أن نحمد الله كثيرًا لان منتحلي هذه الشخصية الفرضية في مجتمعاتنا النوبية ليسو بكُثر. ولكن المؤسف حقا هو تكرار ممارستها من أفراد وشخصيات بعينها اعتادت التواجد والظهور في ساحات العمل والمشاركة فيها عنوة ، ورغم تحذير بعض العارفين ببواطن الأمور والأغراض والأهداف الفعلية من التواجد مستغلا طيبة المجتمعات النوبية و بعض العلاقات الفردية مع غياب المؤسسية والضوابط الحاذقة في اغلب مؤسسات مجتمعاتنا المدنية (لجان وروابط وجمعيات). وهذا لا يعني بالضرورة وجود خلل في تركيبة مجتمعاتنا النوبية وفي نظمهم القائمة، بل يرجع إلى طيبة أهل المنطقة وموروثهم الثقافي الذي يدفع بعض المتعجلين والمهرولين من بعض المنتفعين وارغبي الوصول إلى سوء استغلال تلك السمات الحميدة الطيبة في غير موضعها. فترتبك الأمور وتتعطل المسارات وتستنزف الشخصيات. وبعد فترة زمنية (دائما تكون قصيرة) تذوب تلك الهيكلية، وتنقض أركانها ، وتضيع جهود بعض المخلصين الذين انخدعوا بالأطروحات هباءا منثورا، في ظل أطروحات وبرامج غابت عنها المنهجية الفكرية ، لأنها في الأصل ليست نابعة من فكر(مستنزف الشخصيات) بل هي مجرد مادة أو فكرة مسروقة أو منقولة وبتعجل وبدون دراية أو دراسة متأنية، فيكون الخاسر الأكبر في الموضوع والضحايا الحقيقيون هم أولئك القادمون الجدد من الشخصيات النوبية التي تستنزف دوما إلى جانب فئة من باحثي الأدوار في ركام المشاريع النوبية الوهمية .
والغريب في الأمر أن من صفات حامل اللقب (مستنزف الشخصيات النوبية) يكون ذو نشاط غير عادي، لا يعرف الكلل والملل، يجوب الشوارع والطرقات ويرتاد التجمعات النوبية طارحا برنامجه البالي بصورة قد لا تختلف عن سابقتها ، وكل المتغير في الطرح ، وجود أسماء وشخصيات جديدة كانت غائبة أو نائمة أو مخدوعة جاءت تبحث عن زعامات وبوعود كاذبة لم تتحقق من قبل ، ولن تتحقق من بعد. وفي تاريخ الساحة النوبية تجارب وأمثلة كثيرة ، ربما لا يعلمها القادمون الجدد المستهدفون بالاستنزاف.
الأساليب والأدوات
ومن أساليب مستنزفي الشخصيات استخدام أدوات غيرهم دون استعارة أو استئذان، وعادة ما يكون الاستخدام في غير موضعه ، و بإفراد مكلفون بها (عنوه أو بتدليس) فهم لا يلجئون مباشرة إلى مقاصدهم تحسبا للتنصل منها في حالات الفشل، بينما يكون لهم في كل انجاز ادعاء مشاركة ، ونجاحات مزعومة تنسب إليهم بواسطة أعوانهم المكلفون بالمقابل أو بالتعاون . لهم في كل بقعة في خريطة الساحة نقطة ارتكاز معوج لا تشاهد بالعين المجردة، اما المتعاونون والمكلفون بالمهام دائما يكونوا في طوع هذه الشخصية العجيبة السلوك وربما النشأة أيضا ويصعب التكهن بما يود أن يفعله في الخطوة القادمة.
أما الأفراد العاملين طوعا مع ( مستنزف الشخصيات ) لا يدرون ولا يشعرون بأنهم مستهدفون..! لان ( مستنزف الشخصيات ) لا يظهر لهم ما في جعبته ، بل يتعامل معهم بأسلوب " بتأكد لهم لاحقا " وبعد فوات الأوان بان الأمر في مجملة ما كان إلا مجرد اجتياز مرحلة بأدوات ووسائل الغير. .!
مستنزف الشخصيات يحاول جاهدا في اكتشاف عمقهم الفكري مستعينا بعلاتهم ومشاكلهم الخاصة والعامة ، ليكون بعدها توزيع المهام والتكليف كل حسب قدراته ومؤهلاته ومخزون علاته ومشاكله.
واغرب ما في هذه شخصية ( مستنزف الشخصيات ) بأنه لا يتردد بان يكون هو بذاته ( مستهدفا من غيره) و يكون وسليه لسواه في أداء مهام أو تنفيذ خطة – ( ربما يكون ذلك في سبيل منفعة متبادلة أو اكتساب خبرة أو فرصة للظهور)- بل يعتقد بان تكليفه بمهام من ( أي جهة كانت) تعد مفخرة واعتراف من تلك الجهات بقدراته، و كلما كانت المهمة معقدة التفاصيل يكون اعتزازه بنفسه قد بلغ أعلى درجاته، وله أن يتباهى بها علنًا ويجاهر بها من حوله .
في المقابل هنالك من هو على نقيض ( مستنزف الشخصيات ) تماما، أفراد لهم من الإدراك والكفاءة والقدرة العالية والكياسة قدر معلوم، ولا يود الفرد منهم أن يكون في الواجهة، ويفضلون تقديم خدماتهم لمجتمعاتهم بدون ضجة ولا صخب مصاحب. فسبحان الله الذي ارسي أسس التفاوت بين الخلق ليكون هذا على نقيض من ذاك، فأن في ذلك رحمة منه وآيات لأولي الألباب. والتجارب في ساحات العمل العام أثبتت أن أفضل طرق علاج المجتمعات من مثل هذه الآفات البشرية الزاحفة منها والطائرة هو احتوائهم في منظومات العمل بمهام تتناسب مع طاقاتهم المخزونة، لا مع قدراتهم الفكرية أو العقلية التي دائما ما تكون اقرب إلى المعتلة من كثرة بحثها عن الوجاهة.
وهنالك من الأدوار ما تئن منها الجبال، فهم انسب من يتولون مهامها وان لم يكونوا هم الأقدر. فسبحان الله الذي في خلقه شئون. لان في المجتمعات أفراد مكملين لنقص هؤلاء في الأداء لما لديهم من الكفاءة والقدرة العالية والجسارة ودائما راضون بتقديم خدماتهم من المكاتب الخلفية، وبما أن الألقاب والمسميات ترضي الدواخل والنفوس فلا مناص من توزيعها على من يطلبها بشرط ان يكون لهم إضافات في الساحة تتناسب مع طاقاتهم في البذل والعطاء المسنود بالفكر والمنهجية .